"أحداث لاتنساها الكويت: وليد النصف يروي تاريخ الكويت في مخيال (الجزء الثاني)"
وليد النصف وتاريخ الكويت الاقتصادي والإعلامي في مرحلة التحولات الكبرى
الشيخ جابر الأحمد وتحولات الاقتصاد الكويتي مع طفرة أسعار النفط
في الجزء الثاني من لقاء وليد النصف في برنامج «مخيال»، تتواصل الرحلة في تاريخ الكويت المعاصر من خلال شهادة تجمع بين السياسة والاقتصاد والإعلام والتجارب الشخصية. ويستعيد رجل الأعمال والإعلامي الكويتي مجموعة من الأحداث التي عاشها أو تابعها عن قرب، لتتحول الحلقة إلى قراءة في مراحل مهمة مرت بها الكويت خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
يبدأ وليد النصف حديثه من شخصية الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح، مستعيدًا علاقته به وانطباعاته الشخصية عن أسلوبه في التعامل مع الملفات السياسية والاجتماعية. ويتحدث النصف عن التوازن الذي كان يراه في شخصيته وقدرته على التعامل مع الأطراف المختلفة، إلى جانب الظروف السياسية التي أحاطت بمسيرته قبل توليه إمارة الكويت.
وشغل الشيخ جابر الأحمد منصب ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء قبل أن يصبح أميرًا للكويت عام 1977، لتبدأ خلال عهده مرحلة شديدة الحساسية شهدت أزمات اقتصادية وأمنية وإقليمية، وصولًا إلى الغزو العراقي للكويت عام 1990.
ولا تتوقف شهادة النصف عند المشهد السياسي، بل تنتقل سريعًا إلى التغير الاقتصادي الذي شهدته الكويت مع ارتفاع عائدات النفط خلال سبعينيات وبداية ثمانينيات القرن الماضي. ومع ازدياد السيولة وتوسع فرص الاستثمار، اتجه عدد كبير من المستثمرين إلى العقارات والأسهم والأسواق المالية.
ويروي وليد النصف تجربته الشخصية في هذه الأجواء، مشيرًا إلى النصائح التي تلقاها من أكاديميين حول الاستثمار في العقار والأسهم، وكيف دخل عالم الأعمال والاستثمار في سن مبكرة. كما يتناول تجربته مع بنك الكويت الوطني والدروس التي اكتسبها خلال دخوله المجال المالي وهو في الرابعة والعشرين من عمره.
كانت الكويت خلال تلك السنوات تعيش طفرة اقتصادية كبيرة مدفوعة بإيرادات النفط، وهو ما انعكس على النشاط التجاري والاستثماري. لكن وفرة السيولة لم تعنِ أن المخاطر كانت محدودة، بل أدت المضاربات المتسارعة إلى واحدة من أشهر الأزمات المالية في تاريخ المنطقة.
ومن هنا تنتقل الحلقة إلى سوق المناخ، الذي أصبح رمزًا لمرحلة ازدهار مالي سريع انتهت بانهيار شديد. كان السوق يعمل إلى جانب البورصة الرسمية، وشهد تداولات واسعة ومضاربات في أسهم العديد من الشركات، كما اعتمد جزء كبير من التعاملات على الشيكات المؤجلة.
ووصل حجم النشاط في السوق إلى مستويات ضخمة؛ وتشير دراسة منشورة عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند إلى أن الأسواق الكويتية في تلك المرحلة أصبحت من بين الأكبر عالميًا من حيث رأس المال المتداول. وعندما انهار سوق المناخ في أغسطس 1982، قُدرت الالتزامات غير القابلة للتحصيل المرتبطة بالشيكات المؤجلة بنحو 93 إلى 94 مليار دولار بقيمة ذلك الوقت.
أزمة سوق المناخ وتجربة الإفلاس والدروس التي صنعت مسيرة وليد النصف
تمثل أزمة سوق المناخ في الكويت واحدة من أكثر المحطات حضورًا في رواية وليد النصف، لأنها لم تكن بالنسبة إليه مجرد أزمة اقتصادية تابعها من بعيد، بل تجربة شخصية انعكست بصورة مباشرة على حياته وأعماله.
يروي النصف كيف كان الصعود السريع في أسعار الأسهم يدفع المستثمرين إلى الاعتقاد بأن المكاسب يمكن أن تستمر، في وقت توسعت فيه عمليات الشراء والبيع باستخدام الشيكات المؤجلة والالتزامات المستقبلية. ومع استمرار المضاربة تضخم السوق بصورة كبيرة قبل أن يبدأ الانهيار في عام 1982.
وتوضح الدراسات الاقتصادية للأزمة أن التعامل بالشيكات المؤجلة خلق توسعًا ائتمانيًا ضخمًا خارج الأطر التقليدية للسوق المنظمة. وبعد بدء الانهيار توقفت التداولات واتخذت السلطات الكويتية إجراءات لتجميع الديون والشيكات ومحاولة تحديد حجم الالتزامات بين المتعاملين.
وفي خضم هذه الأزمة، يتحدث وليد النصف عن خسائره المالية ووصوله إلى مرحلة يصفها بالإفلاس، موضحًا كيف تحولت التجربة إلى نقطة فارقة أعادت تشكيل نظرته إلى الاستثمار والمخاطرة والعمل.
وتكمن أهمية هذه الشهادة في أنها تقدم الجانب الإنساني من الأزمة الاقتصادية. فالأرقام الضخمة التي ارتبطت بانهيار سوق المناخ كانت تعني في الواقع خسائر لأفراد وتجار ومستثمرين وجدوا أنفسهم أمام التزامات يصعب سدادها.
كما تكشف القصة عن الفرق بين فترات الصعود السريع والأسس الحقيقية للاستثمار طويل الأجل. فارتفاع قيمة الأصول بصورة متواصلة قد يدفع المستثمر إلى زيادة المخاطرة، بينما يصبح غياب التنظيم الكافي والاعتماد على الائتمان غير المنضبط عاملين قادرين على تحويل الازدهار إلى أزمة شاملة.
وتساعد تجربة النصف في فهم كيف يمكن للفشل المالي أن يصبح مرحلة لإعادة بناء المسار المهني.
فبدل أن تنتهي قصته عند خسائر سوق المناخ، واصل نشاطه في مجالات الأعمال والإعلام، لتصبح تلك المرحلة واحدة من التجارب التي يستعيدها عند الحديث عن القرارات والمخاطر والتعامل مع الأزمات.
الإعلام الكويتي وأزمات الخليج من محاولة اغتيال الشيخ جابر إلى الغزو العراقي
جريدة القبس ودور الإعلام الكويتي خلال سنوات الحرب والأزمات
ينتقل وليد النصف في الحلقة من الاقتصاد إلى تاريخ الإعلام الكويتي، متحدثًا عن تجربة عائلته وبيئته التجارية مع جريدة القبس، وعن الظروف التي صاحبت تأسيسها والمواقف التي كان التجار يرغبون في التعبير عنها من خلالها.
وبحسب السجلات المنشورة عن الصحيفة، صدر العدد الأول من القبس في 22 فبراير 1972، وكانت من بين العائلات المؤسسة لها عائلات النصف والخرافي والبحر والشايع والصقر. ويتولى وليد عبد اللطيف النصف رئاسة تحريرها منذ يوليو 1999.
وفي روايته خلال برنامج «مخيال»، يربط النصف نشأة الجريدة بالحاجة إلى وجود مساحة إعلامية تستطيع التعبير عن رؤى أصحاب الأعمال والتعامل مع ما اعتبروه هجمات موجهة إلى التجار في تلك المرحلة. وهذه النقطة تمثل تفسيره الشخصي للسياق الذي أحاط بالتجربة الصحفية، إلى جانب الأبعاد المهنية والسياسية الأوسع للصحافة الكويتية.
وتتداخل قصة الإعلام مع مرحلة إقليمية بالغة الصعوبة، خصوصًا خلال الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988، التي تُعرف أحيانًا في المصادر العربية باسم حرب الخليج الأولى. فقد وجدت الكويت نفسها قريبة جغرافيًا وسياسيًا من صراع طويل ترك انعكاسات أمنية واقتصادية على منطقة الخليج بأكملها.
ومن أبرز الأحداث الأمنية التي شهدتها الكويت في تلك الفترة محاولة اغتيال الشيخ جابر الأحمد في 25 مايو 1985. وقع الهجوم أثناء توجه الأمير إلى قصر السيف، عندما استُخدمت سيارة مفخخة في استهداف موكبه. أُصيب الشيخ جابر بجروح، بينما قُتل عدد من الأشخاص، من بينهم اثنان من أفراد حمايته، ونجا الأمير من المحاولة.
ويستعيد وليد النصف هذه الحادثة ضمن سلسلة الأحداث التي جعلت المجتمع الكويتي يعيش حالة من القلق الأمني في ثمانينيات القرن الماضي. ففي تلك السنوات لم تكن الأزمة الاقتصادية الناتجة عن سوق المناخ هي التحدي الوحيد، بل جاءت أيضًا الحرب الإقليمية والهجمات الأمنية لتزيد من حساسية المرحلة.
ويقدم الإعلام في مثل هذه الفترات دورًا يتجاوز نقل الأخبار، إذ يصبح وسيلة لتوثيق الأحداث ومتابعة القرارات السياسية والاقتصادية وتأثيراتها في حياة الناس. ومن هنا يكتسب حديث النصف عن الإعلام الكويتي أهمية خاصة، لأنه يجمع بين تجربة رجل أعمال تأثر بالأزمات الاقتصادية وتجربة إعلامي تابع لاحقًا التحولات الكبرى التي مرت بها بلاده.
الغزو العراقي للكويت وكيف واجه الكويتيون واحدة من أصعب مراحل تاريخهم
تصل الحلقة إلى واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا في تاريخ الكويت الحديث، وهي الغزو العراقي الذي بدأ فجر 2 أغسطس 1990. دخلت القوات العراقية الأراضي الكويتية وسيطرت على البلاد خلال فترة قصيرة، لتبدأ أزمة دولية غيرت المشهد السياسي والأمني في الخليج.
وفرض الاحتلال واقعًا جديدًا على الكويتيين، بينما غادر الأمير الشيخ جابر الأحمد وأعضاء في الحكومة والأسرة الحاكمة إلى السعودية، حيث استمرت الحكومة الكويتية في العمل من الخارج. وفي الوقت نفسه بقي عدد من المواطنين داخل الكويت، وظهرت أشكال مختلفة من المقاومة المدنية والعمل السري خلال فترة الاحتلال.
وأدان مجلس الأمن الدولي الغزو وطالب العراق بالانسحاب، ثم فرضت الأمم المتحدة عقوبات اقتصادية، قبل أن يتشكل تحالف دولي أنهى الاحتلال في فبراير 1991 بعد حملة جوية وبرية واسعة. وتشير وزارة الخارجية الأمريكية في توثيقها التاريخي إلى أن العمليات العسكرية للتحالف بدأت في يناير 1991، وانتهى انسحاب القوات العراقية من الكويت في 28 فبراير من العام نفسه.
ومن خلال شهادة وليد النصف، لا يظهر الغزو العراقي للكويت كمجرد مجموعة من التواريخ والقرارات العسكرية، بل كتجربة اجتماعية وإنسانية عاشها الكويتيون، وأعادت تشكيل نظرتهم إلى الأمن والدولة والوحدة الداخلية.
وتتوقف الحلقة عند الطريقة التي تعامل بها المواطنون مع الاحتلال والظروف التي فرضها عليهم، في الوقت الذي كان فيه العالم يتابع تطورات أزمة تحولت سريعًا إلى واحدة من أبرز الصراعات الدولية في مطلع التسعينيات.
وتربط شهادة النصف بين هذه الأحداث وما سبقها من تغيرات اقتصادية وإعلامية. فمن طفرة النفط والاستثمار إلى انهيار سوق المناخ، ومن الحرب العراقية الإيرانية ومحاولة اغتيال الشيخ جابر إلى الغزو العراقي، مرت الكويت خلال سنوات قليلة بسلسلة من التحولات العميقة.
ولهذا فإن لقاء وليد النصف في برنامج مخيال يقدم مادة غنية للمهتمين بتاريخ الكويت، لأنه يجمع بين الذكريات الشخصية والوقائع الاقتصادية والسياسية التي تركت تأثيرًا طويل المدى على المجتمع الكويتي.
كما يسلط الضوء على جيل عاش مرحلة الثراء النفطي والمضاربة المالية والخسائر والأزمات الأمنية والحرب، ثم شهد إعادة بناء الكويت بعد التحرير، بما يجعل شهادته نافذة على عدد من أكثر العقود حسمًا في تاريخ الكويت المعاصر.